خرافة الميجابكسل: لماذا لا يجب تقييم كاميرا الهاتف من دقتها فقط؟

خرافة الميجابكسل ما زالت منتشرة، فدقة كاميرا الهاتف ليست المعيار الحقيقي لجودة الصور، وحان الوقت لتصحيح هذا المفهوم.
قبل سنوات، وتحديدًا في عصر انتشار هواتف نوكيا، كان معيار الحكم على جودة الكاميرا في الهواتف هو الدقة، من حيث عدد الميجابكسل فقط. ففي حينها كانت دقة 1.3MP تبدو كبيرة للغاية ومن يملك كاميرا بدقة أعلى كان يُعتبر تلقائيًا صاحب الصور الأفضل. لكن مع مرور الوقت اتضح أن هذا التصور غير دقيق. اليوم، رغم أن بعض الهواتف وصلت إلى 200 ميجابكسل، إلا أن أفضل الكاميرات في السوق لا تعتمد على العدد وحده، بل على مزيج معقد من العتاد والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، لذلك بات عدد الميجابكسل معيارًا ثانويًا ما لم تدعمه تقنيات متطورة. وفيما يلي نوضح لماذا لا يجب الاعتماد على دقة الكاميرا لتقييم جودة الصور.
كاميرا الهاتف

دقة الكاميرا ليست كل شيء

ما المقصود بدقة الكاميرا وعدد الميجابكسل؟

دقة الكاميرا

كما يعلم معظم المهتمين بالتقنية، فإن كلمة بكسل تُستخدم عادةً للدلالة على النقاط المضيئة أو الخافتة التي تكوّن في الشاشات، مثل الـ Dead Pixel. أما في عالم الكاميرات، فالأمر يختلف قليلًا، إذ يشير البكسل إلى النقطة المستقبلة للضوء. وبالطبع فإن كلمة ميجا (Mega) تعني مليون، وبالتالي فإن ميجابكسل (Megapixel) تعني مليون نقطة.

ولأن الأعداد بالملايين قد تبدو غير واضحة أو صعبة التصور، دعونا نستعرض أمثلة توضح الدقة التي تحتاجها للعرض على مختلف أنواع الشاشات وطرق العرض الأخرى. فمثلًا الشاشات التي تكون من نوع HD (أو بجودة 720p) يمكن القول أنها تمتلك دقة حوالي 0.92 ميجابكسل فقط. بينما شاشات اللابتوبات الرخيصة (بجودة 1366X766) تحتوي بكسلات تساوي دقة 1 ميجابكسل فقط. أما شاشات التلفاز عالية الدقة FHD (أو بجودة 1080p) تمتلك ما يعادل دقة 2 ميجابكسل فقط، وحتى الشاشات فائقة الدقة QHD (أو بجودة 1440p) تمتلك دقة 3.7 ميجابكسل فقط. وأخيرًا، فإن شاشات الـ 4K (أو بشكل أوضح 2160p) تمتلك دقة 8 ميجابكسل فقط.

في الوقت الحالي تمتلك الغالبية العظمى من الهواتف دقة كاميرا 48 ميجابكسل أو أعلى. أي أن الشاشات المنتشرة حاليًا لا تستطيع حتى عرض الصور التي يلتقطها الهاتف بحجمها الكامل ودقتها النظامية دون الاضطرار إلى تصغيرها مُسبقًا.

إذًا، لماذا الدقة الأعلى لا تعني صورًا أفصل؟

مستشعر الكاميرا

للأسف، لا يزال الاعتقاد السائد لدى الكثيرين أن الكاميرا التي تمتلك ميجابكسل أكثر تعطي صورًا أفضل. لذلك كثير من الشركات والمتاجر تستغل هذا المفهوم الخاطئ، فتعقد مقارنات مضللة – وتبدو مضحكة للعارفين بالتقنية – توحي بأن هاتفًا لا يتجاوز سعره 200 دولار يمكن أن يتفوق في الكاميرا الأمامية على هاتف آخر يزيد سعره خمسة أضعاف.

لكن على أي حال، وعلى عكس هذا التصور الشائع، فإن سباق الميجابكسل أصبح شيئًا من الماضي. لذلك نجد اليوم أن معظم الشركات الكبرى مثل آبل وجوجل وسامسونج تركز على حجم البكسل وتقنيات المعالجة بدلًا من رفع الأرقام بلا فائدة. فمثلًا، معظم هواتف الآيفون منذ سنوات ما زالت بدقة 12MP أو 48MP فقط، لكنها قادرة على إنتاج صور تتفوق على هواتف بدقة 200MP بفضل معالجة الصور المتقدمة. بل ويمكن ملاحظة أن هواتف مثل Google Pixel 9 Pro و iPhone 15 Pro Max و Samsung Galaxy S24 Ultra تتقارب جدًا في جودة الصور رغم اختلاف الأرقام بشكل واضح. السر يكمن في السوفتوير والذكاء الاصطناعي، مثل المعالجة متعددة الإطارات، دمج الصور (Computational Photography)، تحسين الألوان والتفاصيل، وإزالة التشويش بطرق لم تكن ممكنة قبل بضع سنوات.

في الحقيقة، يمكن القول إن زيادة عدد البكسلات لم تعد مؤشرًا على جودة أفضل، بل قد تكون علامة عكسية في عالم الهواتف الذكية اليوم. والسبب أن الآثار السلبية لهذه الزيادة باتت تفوق مزاياها — وهذا ما سنوضحه بشيء من التفصيل في الفقرة التالية.

الدقة العالية ليست كافية وحدها

تقنية Pixel Binning

حتى نُدرك العلاقة المعقدة بين الدقة والجودة في الكاميرات، يجب التوقف عند نقطة أساسية ومهمة جدًا، ألا وهي انه كلما كان حجم البكسل أكبر في الكاميرا، زادت كمية الضوء التي يمكن التقاطها، مما ينعكس إيجابًا على دقة الألوان وحساسية المستشعر للتفاصيل. لكن بخلاف الكاميرات الاحترافية ذات الحساسات الكبيرة، تظل مساحة مستشعر الكاميرا في الهواتف محدودة جدًا بسبب أبعاد الجهاز نفسه.

لذلك غالبًا ما نجد علاقة عكسية بين حجم البكسل وعدد البكسلات؛ فكلما ارتفعت دقة الكاميرا، صغر حجم كل بكسل منفرد. هذا يؤدي إلى استقبال أقل للضوء، الأمر الذي يجعل كاميرات الهواتف تُعاني في بعض المواقف مثل: التصوير الليلي، فالهواتف المزودة بمستشعرات أكبر وبكسلات أكبر (حتى بدقة أقل) تقدم نتائج أفضل بكثير من هواتف ذات ميجابكسلات ضخمة لكن بكسلات صغيرة. كذلك بالنسبة لتأثير التشويش في الصورة (Noise) فمع المستشعرات الصغيرة، كلما صغر البكسل زاد التشويش، خصوصًا في الإضاءة المنخفضة. لذلك تلجأ الشركات لتقنية "Pixel Binning" حيث يتم دمج عدة بكسلات في بكسل واحد أكبر لإنتاج صورة بدقة أقل لكن بجودة أفضل.

وأخيرًا، واقعية الألوان، حيث أن الكاميرات ذات الدقة الأعلى (وبالنتيجة حجم البكسل الأصغر) لا تستطيع التقاط الضوء بفعالية عالية كما نظيرتها ذات الدقة الأدنى. بالنتيجة يكن لدى كل بكسل كم أقل من الضوء للتعرف على اللون الموجود ودرجته. وبالطبع مع معلومات أقل تكون الألوان عادة أقل واقعية. هذه المشكلة لا تكون مهمة عادة في الكاميرات الأمامية كون معظم المستخدمين لا يبالون لواقعية الألوان أصلاً، بل يميلون لتفضيل الألوان الفاقعة أكثر على أي حال.

بشكل مختصر، حجم المستشعر الصغير جدًا في الهواتف يجعل حجم كل بكسل أصغر كلما ارتفع عددها، وهذا يؤدي إلى استقبال أقل للضوء، وبالتالي مشاكل في التصوير الليلي وجودة الألوان وزيادة تأثير التشويش في الصور. 

الاتجاهات الحالية في كاميرات الهواتف

معالجة الصور بالذكاء الاصطناعي

بات واضحًا الآن أن دقة الكاميرا وحدها ليست عاملاً كافيًا لتقييم مدى جودة الصور في الهواتف، لكن دعوني أخبركم أن هناك بعض الحالات الخاصة التي تثبت أن الأرقام الكبيرة يمكن أن تكون مفيدة إذا دُعمت ببرمجيات معالجة متطورة وعدسات متعددة. على سبيل المثال، هاتف Galaxy S24 Ultra يضم عدسة رئيسية بدقة 200 ميجابكسل، صحيح أنها عدسة ذات دقة كبيرة جدًا ومبالغ بها حتى، إلا ان الهاتف ينتج صورًا جيدة جدًا ومتفوقة حتى في بعض الحالات. السبب هنا أن الهاتف لا يعتمد على هذا الرقم الخام فقط، بل يستخدم تقنيات مثل Pixel Binning لتجميع عدة بكسلات في بكسل واحد أكبر، مما يسمح بالتقاط صور عالية الجودة في ظروف الإضاءة المنخفضة.

وبالمثل، قدمت شاومي هواتف مثل Xiaomi 14 Ultra بمستشعر ضخم يصل حجمه إلى بوصة كاملة، إضافة إلى أربع عدسات مختلفة (واسعة، فائقة الاتساع، تيلي فوتو بتقريب 3.2x، وأخرى بتقريب 5x). النتيجة أن الهاتف قادر على إنتاج صور مذهلة لا بسبب دقة 50 ميجابكسل في كل عدسة فقط، بل بسبب تناغم العتاد مع برمجيات معالجة الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

هذا يوضح أن التجربة لا تتعلق بعدد الميجابكسل وحده. فعلى سبيل المثال، هواتف مثل Google Pixel 9 Pro وiPhone 15 Pro Max ما زالت تعتمد على دقة 48 ميجابكسل أو أقل، لكنها قادرة على منافسة، بل أحيانًا التفوق على هواتف تملك أرقامًا ضخمة بفضل تقنيات المعالجة الحاسوبية (Computational Photography) والذكاء الاصطناعي، وهو العامل الأهم حاليًا، حيث باتت الصور النهائية مزيجًا بين ما تلتقطه العدسة وما "يُعيد رسمه" الـ AI.

الخلاصة: عدد الميجابكسل لم يعد معيارًا حقيقيًا لتقييم جودة الكاميرا، حيث أن تقييم كاميرات الهواتف في 2025 يعتمد على عوامل متشابكة، لذلك قد تجد هاتفًا بدقة 12 أو 48 ميجابكسل يلتقط صورًا أفضل بكثير من هاتف آخر بدقة 200 ميجابكسل. الفارق يصنعه حجم المستشعر، جودة العدسة، تقنيات معالجة الصور، والذكاء الاصطناعي. لذا ومع ازدياد تطور هذه التقنيات، بات الأفضل للمستخدم أن ينظر لأداء الكاميرا الفعلي في ظروف التصوير الحقيقية وليس المواصفات التقنية فقط.
عبدالرحمن
عبدالرحمن
مدير المحتوى بموقع عالم الكمبيوتر منذُ قرابة 10 سنوات، مدفوعًا بشغفي العميق بالتكنولوجيا الذي أحمله معي في كل مقال ومراجعة.
تعليقات

احدث المقالات