بين الحقيقة والخرافات: هل أشعة الواي فاي مضرة بالصحة ؟



لم تمر مقالتنا الماضية [هل يجب ترك الراوتر متصلاً بالكهرباء على مدار الساعة ؟] مرور الكرام، فقد أعادت فتح باب التساؤل حول ماهية أشعة الـ Wi-Fi ومدى خطورتها على المدى الطويل والقصير، تساؤلٌ مشروع كنا قد طرحناه على أنفسنا قبل نشر المقال المذكور وكان الجواب عليه ان أشعة Wi-Fi لا تشكل خطراً.

تستطيع الحكم بنفسك مع نهاية المقال، ولكن في حال نفاذ صبرك، وعدم وجود الوقت الكافي لديك للقراءة، فمن دواعي سروري أن أحرق مضمون المقالة واختصرها بجملة واحدة: لا تحوي أشعة Wi-Fi أي تهديدٍ صحي. وإذا لم تحمل الجملة السابقة جواباً شافياً بالنسبة إليك، وتريد قطع الشك باليقين، أو لديك حس الفضول لمعرفة الأكثر، فيسعدني أن أقص عليك القصة الكاملة بين الحقيقة والخرافات.


مخاطر أشعة Wi-Fi.. استغلال لفجوة الفضول!


دعني أطرح عليك سؤالاً بديهيًا: من أخبرك أن ترددات الواي فاي الراديوية خطر صحة الانسان ؟ جوابك غالبًا سيكون أنك سمعت من أحدهم خلال جلسة عامة، أو قرأت مقالا على الانترنت، وهذا الأخير هو بيت القصيد، فشبكة الانترنت تحوي على كم هائل من الجدليات الخاصة بنظريات المؤامرة تبدأ من كروية الأرض أو أنها مسطحة، مروراً بأن كورونا فيروس مصطنع، ولا تنتهي عند مخاطر اشعاع Wi-Fi وفرن الميكروويف، بل أستطيع أن أجزم لك بأنه إذا اعتمدت شبكة الانترنت مرجعاً صحياً فستجد أن كل شيء يشكل خطراً على حياة الانسان حتى الانسان ذاته!

السبب هنا هو وجود بعض المواقع تستغل فجوة الفضول بتقديم مواضيع "مغرية" لا تعكس المحتوى بشكل دقيق أو مبني على أسس علمية. الانترنت يحتوي بالفعل على كمٌ خرافي من المقالات التي تتحدث عن المخاطر والتي لا تهدف إلى التوعية لأنها لا توفر أي أدلة على الادعاءات التي تطرحها، بل فقط من أجل كسب المال من جهة وتشتيت الانتباه عن أخطار حقيقية من جهة أخرى.



بالطبع يمكننا إرفاق أمثلة كثيرة على هذا النوع من المقالات، وتحديدًا تلك التي تسلط الضوء على أشعة الواي فاي واضرارها لتوضيح مدى غرابة الادعاءات التي يقدمونها، لكننا بالطبع لن نساهم في إعطائهم ولو قرشًا واحدًا من عائدات الإعلانات. في كل الأحوال، لا يمكننا منع أصحاب هذه المواقع من تضليل الآخرين من أجل الربح، ولكن على الأقل نستطيع الرد على هرائهم.

ربما ستقول "كسب المال عبر زيارة المقال والاعلانات" أمر مقنع، ولكن ماذا عن تشتيت الانتباه!! ستدهش حينما تعلم أن شركات "التبغ" هي أكثر الشركات سخاء على الاطلاق من ناحية تمويل الأبحاث العلمية المتعلقة بصحة الانسان! وستدهش أكثر حينما تعلم أن الهدف من الأبحاث تلك هو تضليل الجمهور عن مخاطر التدخين وانه ليس سبب وحيد ومباشر للإصابة بالسرطان وذلك مقابل تهويل أمور أخرى مثل "تعريض رغيف الخبز للتسخين على نار مباشرة يساوي تدخين 30 سيجارة! بل تسليط الضوء على أي شيء يمكن أن يشكل ولو بنسبة 1 على مليون خطراً على حياة الانسان مثل أشعة الواي فاي!!

سأعطيك مثالاً مضاد بالحقيقة على واحدة من استراتيجيات التلاعب بالعلم التي يستخدمها صناع التبغ وهي الترويج لفكرة ان تدخين سيجارةٍ لمرةٍ واحدة، مضرٌ بالصحة أكثر من التعرض لأشعة Wi-Fi مدى الحياة!

حسناً، تناولنا الموضوع من الناحية النظرية، ونعلم أن هذا لن يشبع فضولك، لأجل ذلك دعنا نلقي نظرة مفصلة عن رأي العلم والمنظمات العالمية بخطورة أشعة الواي فاي.

ليست كل الأشعة متساوية




تستطيع بنفسك البحث على الانترنت عن مخاطر أشعة Wi-Fi وستجد الكثير من الأشخاص والمقالات التي تحاول اقناعك بأضرارها ليتنشر في النهاية تشبيه شبكة الواي فاي بقاتل صامت يوجد في المنزل يقصف أجسادنا بهدوء، يوجهنا نحو نوبة حتمية مع – لا قدر الله – السرطان.

بالمقابل ستجد أن منظمة الصحة العالمية، والتي تميل إلى اتخاذ جانب الحذر والحيطة قبل رفض شيء ما على أنه سام أو مسرطن أو ضار، توضح أنه لا توجد مخاطر صحية مؤكد من أجهزة بث أو استقبال الترددات الراديوية. يمكنك قراءة البحث على الموقع الرسمي للمنظمة بعنوان المجالات الكهرومغناطيسية والصحة العمومية: الهواتف المحمولة والذي يسلط الضوء على مدى انخفاض مخاطر التعرض لموجات Wi-Fi الراديوية.

ولكن، ماذا عن رأي العلم بصورة عامة ؟


حتى ننفي خطورة أشعة Wi-Fi على الصحة، يتوجب علينا فهم بعض الأساسيات حول الاتصالات السلكية واللاسلكية والاشعاع المستخدم من أجل ذلك، ولعل أن كلمة "اشعاع" مخيفة بعض الشيء إذا ما قرناها بكارثة تشيرنوبل وهيروشيما، إلا أنها تشعرنا بالدفْ حينما نربطها مع بالشمس! والتي هي بالمناسبة السبب الرئيسي بعد الماء في الحياة على هذا الكوكب، كما أن الاشعاع هو السبب في تشغيل الراديو وسماع الموسيقى دون أسلاك، مما يعني أن الاشعاع لا يندرج ضمن بند واحد ولأجل ذلك يجب علينا التفريق بين "الاشعاع المؤين" و "الإشعاع غير المؤين".


الإشعاع المؤين هو إشعاع لديه القدرة على كسر الروابط الكيميائية أو إحداث تأيّن في جسم الإنسان، وهو الأكثر خطورة ويدخل في الأشعة السينية وأشعة جاما وبعض من الاشعة فوق البنفسجية ولا ننسى طوله الموجي القصير والذي يعتبر سمة أساسية لهذا الاشعاع.

يستمد الاشعاع المؤين اسمه من كونه يحتوي على طاقة كافية لتحريض الالكترونات وإخراجها من مدارها ويعتبر اشعاعاً ضارا للغاية بالصحة في حال التعرض المكثف له، ولا يختلف الأمر كثيراً إذا كان التعرض منخفضًا ومستمر فقد يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالسرطان مع مرور الوقت، حيث أن التعرض له يؤدي إلى تحور الخلايا ولو كان الدافع استخدامه لأغراض مفيدة مثل "صور الاشعة السينية " لذلك نجد الكثير من التنبيهات والدوائر الصفراء "التي ترمز للخطر المحدق" على أبواب غرف التصوير بالأشعة السينية.

اما الاشعاع غير المؤين فلا يحتوي على طاقة كافية لتحريض الذرات ويتضمن كل ما تبقى في طيف الاشعاع بما في ذلك الاشعة تحت الحمراء والضوء المرئي وموجات الراديو بما فيها الموجات الراديوية منخفضة الطاقة "Microwave" المستخدمة في أجهزة الاتصال اللاسلكي، والموجات الراديوية عالية الطاقة كتلك التي تستخدم في فرن الميكروويف.

باختصار، لا يوجد خوف من الاطوال الموجية الطويلة والتي تستخدم في بث الراديو والـ Wi-Fi أما الأطوال الموجية القصيرة (الأشعة المؤينة) فهي الأجدر بوصف "خطر".



ولكن هناك حلقة مفقودة لتعزيز حقيقة أن الأشعة الراديوية غير مضرة على الإنسان وهي حلقة "المسافة والقوة". بالطبع شيئان مهمان يجب ملاحظتهما نتيجة لاختلاف طبيعة عمل الأجهزة التي تبث تلك الأشعة.

وبالحديث عن أفران الميكروويف واخطاره المحتملة ومقارنتها مع الـ Wi-Fi، فمن المؤكد أن يحصل – الشخص الذي تعرض لإشعاع المايكرويف غير المؤين – على جرعة عالية من الطاقة بشرط أن تكون المسافة قريبة جداً.

بمعنى أوضح، ستتعرض لأذي شديد إذا وضعت يدك داخل فرن الميكروويف وهو يعمل رغم انه يصدر أشعة غير مؤينة ولا تضر كما أشرنا، لكن ضع في اعتبارك أن "الماجنترون" المسئول عن انتاج اشعة الميكروويف داخل فرن الميكروويف العادي ينتج حوالي 700 واط من طاقة الأشعة غير المؤينة وهي كمية هائلة، غير انها مُركزة في بؤرة واحدة، وبالتالي تشكل خطورة إذا تعرضت لها. لذا يتم احتوائها بالكامل وتفريغها بأمان داخل جسم الفرن بفضل درعه الواقي.

على الجانب الآخر، لا ينتج الراوتر حتى "أقوى أنواع الراوتر الموجودة في السوق" أكثر من 1 واط من طاقة الميكروويف أو الاشعة غير المؤينة ضمن فقاعة تشبه السحابة تكون حول الراوتر والتي لا تكفي "إضافة إلى حرارة الغرفة" لتسخين 1 ملم من الماء ولو انتظرت العمر كله، بل لو انتظرت للابد!


علاوة على ذلك فهناك قانون فيزيائي يطلق عليه قانون التربيع العكسي والذي يفيد بأنه كلما ابتعدنا عن مصدر الاشعاع قلت كمية وقوة الاشعاع الذي سنتلقاه، أي أن حتى الـ 1 واط الناتجة عن الراوتر والتي لا تشكل خطر ستتلاشى في حال ابتعدنا عن الراوتر عدة امتار.

ختامًا: هناك أمور تحيط بنا أخطر بمئات المرات من 1 واط ينتجه الراوتر يجب أن نحذر منها، يقول الرائع "أحمد خالد توفيق" في كتابه "شربة الحاج داوود": "هناك عشرات المشاكل تواجه مصر اليوم بدءاً بالتوريث مرورا بمياه النيل والتعليم والبطالة، لكنني أضيف لها خطرا يعبث عبثاً مروعاً في عقل المواطن الذي يصدق كل شيء ويشك في كل شيء، هذا الخطر هو النشر غير المسؤول ومعدوم الضمير" طبعا هذا الكلام لا يشمل مصر والعالم العربي فقط، بل كل العالم، العالم الذي يغفل مشاكل كبرى، ويضع تحت المجهر صغائر الامور.
اقرأ ايضاً

تعليقات