كيف يهدد شح الموارد الكهربائية مستقبل العملات الرقمية ؟



قبل سنوات من الآن، وبالتحديد في العام 2009، لم يكن من المتوقع أن تصبح العملات الرقمية المشفرة في يوم من الأيام أمر جدي، بدا الأمر ساعتها كمغامرة برمجية طموحة، لكنها لن ترتقِ لتصير في غضون أعوام قليلة عملة تبلغ قيمتها السوقية آلاف الدولارات، كما لم يتخيل أحد أن تصير العملة التي ابتدعها شخص/ أشخاص تحت الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو واحدة من الصناعات الرقمية التي سيضحي ما تستهلكه من طاقة يفوق استهلاك أعتى الصناعات.

الآن، وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام على بدء تداول العملات الرقمية، ومع اتساع تداولها بصورة غير متوقعة، اتجهت العديد من الدول لفرض قيود على هذه الصناعة الحديثة الصاعدة، تحت مبررات عديدة، لكن أكثر الانتقادات انصبت على أنشطة التعدين وما يتعلق بها من استهلاك للكهرباء، حيث تعتبر عمليات التعدين هي عصب عملية انتاج وتداول وتقييد العملات الرقمية، وبالتالي استمرارها.



تطور التعدين والتحول إلى نشاط رقمي واقتصادي منظم


كان تعدين العملات الرقمية، قبل سنوات من الآن، من الممكن أن يتم عبر أجهزة الحاسوب العادية، وانتشر ذلك عند ظهور العملات الرقمية في السنين الأولى، لكن مع تعقّد وكثرة البيانات التي يتم معالجتها فقد أصبحت الأجهزة العادية غير قادرة على مجاراة الكم الهائل من البيانات والمعادلات الرياضية المعقدة والطويلة، لذا أصبح تعدين العملات الرقمية يتم عبر أجهزة متخصصة في هذا الأمر، عبر معالجات جبارة وأجهزة أعدت خصيصًا لهذا الغرض.


نشطت في السنوات الأخيرة مجموعات كبيرة من المستثمرين في هذا المجال، حيث ظهرت مجموعات من الأشخاص الذين يقومون بامتلاك مجموعة كبيرة من الأجهزة المخصصة لهذا الأمر، حيث يقومون بتجهيز ما بات يعرف بـ "مزارع التعدين"، وهي مناطق ومساحات صغيرة أشبه بالشركات، يتم تجهيزها بشكل كامل واحترافي لضمان تشغيل هذه الأجهزة، فالأمر لم يعد مجرد هواية جانبية، بل مصدر مدر للربح يمكن أن ينتج ما يعادل ملايين الدولارات، ويتطلب العمل فيه التفرغ بالكامل ومتابعة عمليات التعدين بشكل دائم ودقيق. تحول الأمر ببساطة إلى مصدر ربح كبير ونشاط اقتصادي يضاهي نشاط أكبر الشركات.



تجهيز هذه المزارع ليس بالأمر السهل، حيث خلافا لامتلاك الأجهزة المتخصصة بكميات كبيرة، يجب عليك مراقبة تشغيلها والتأكد من عدم تعرضها للتوقف، لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذه المزارع كانت دومًا تتعلق بالوصول إلى مورد طاقة كهربائية رخيص من ناحية ومستمر من الناحية الأخرى، فهذه الأجهزة تستهلك كميات هائلة من الطاقة الكهربائية. ما جعل ظاهرة البحث عن موارد الطاقة إحدى الظواهر المرتبطة بتعدين البيتكوين، الأمر الذي خلق حالة من ظاهرة "الهجرات" لمعدني البيتكوين من بلدٍ لآخر بحثًا عن مورد طاقة كهربائية رخيصة ومستقرة

الاستهلاك يلفت نظر الحكومات


قبل سنوات من الآن لم يكن تعدين العملات الرقمية ظاهرة ملفتة للنظر، لكن مع تحول الأمر إلى ظاهرة كبرى، حيث أضحى معدل الاستهلاك السنوي الكهربائي لانتاج العملات الرقمية يعادل استهلاك عدة دول، مما لفت نظر الحكومات المحلية في البلدان التي يلجأ إليها هؤلاء المعدنون، فبدأت رويدًا رويدا في فرض بعض القيود على المعدنين، كإيران التي قامت بحظر تعدين العملات الرقمية مؤقتًا حينما بدأت تعاني من انقطاع في التيار الكهربائي والذي يستهلك تعدين العملات الرقمية منه حوالى 4%، وهذا الحظر لم يكن الأول حيث هناك العديد من الدول التي بدأت بوضع قيود أو حتى حظر تعدين العملات الرقمية تمامًا، وأشهر هذه الدول التي ضيّقت على معدني العملات الرقمية هي:

  • الصين: كانت الصين تعتبر من أكبر الدول التي يتم استيعاب معدني العملات الرقمية فيها، نظرًا لتدني التكلفة المالية لاستهلاك الكهرباء هناك، مما جعل مدينة داليان الصينية تضم واحدة من أكبر مزارع تعدين العملات الرقمية في العالم، هذا قبل أن تحظر الصين نهاية العام المنصرم تعدين وتبادل العملات الرقمية بشكل نهائي، مما دفع العديد من المعدنين للشتات بحثًا عن دول توفر طاقة كهربائية رخيصة ومستقرة.
  • كوسوفو: دولة كوسوفو غير الشهيرة صناعيًا ولا تقنيًا، هي الأخرى كانت أحد امثل مقاصد معدني العملات الرقمية، نسبة لتدني قيمة الكهرباء فيها، لكن هي الأخرى حظرت نهايات العام الماضي أيضًا، في شهر ديسمبر، تعدين العملات الرقمية.
  • إيران: بدأت منذ شهر مايو العام الماضي، في وضع حظر مؤقت في ظل معاناها في استقرار التيار الكهربائي، امتد أربعة أشهر قبل أن تجدده مرة أخرى في ظل تكهنات في رغبتها الحظر النهائي لتعدين البيتكوين.

هذه نماذج لأشهر الدول التي حظرت تعدين العملات الرقمية التي أشهرها البيتكوين، وهناك العديد من الدول الأخرى الصغيرة التي حظرت أيضًا تعدين البيتكوين أو وضعت قيودًا على ذلك. "كازخستان" التي كانت تضم حوالى 22% من شركات تعدين البيتكوين قبل أن تقوم بوضع شروط صارمة تحد من استهلاك الشركات للكهرباء، بالإضافة إلى آيسلندا الأخرى التي وضعت العديد من العراقيل لطلبات استهلاك الكهرباء للشركات العاملة في تعدين العملات الرقمية.

الطاقة الرخيصة والأثر البيئي


ربما لاحظت أن الدول المذكورة أعلاه ليست من الدول الشهيرة تقنيًا أو صناعيًا، باستثناء الصين، ولك أن تتساءل ما السر في توجه معدنين العملات الرقمية إلى هذه الدول بالذات؟

يكمن السر بالطبع خلف تدني قيمة الكهرباء في تلك الدول، ولكن خلف هذا التدني هناك مشكلة أخرى تلوح في الأفق، فمعظم الدول التي تتيح كهرباء رخيصة نسبيا ففي الغالب تعتمد على توليد الكهرباء بالفحم الحجري رخيص التكلفة نسبيًا، لكنه في ذات الوقت أصبح من الأساليب المدانة عالميا بسبب البصمة الكربونية العالية، حيث تزايدت الأصوات الناقدة لأساليب انتاج الكهرباء.

استهداف معدني العملات الرقمية للطاقة الرخيصة، دفع العديد من الجهات باتهام العملات الرقمية بكونها ليست صديقة للبيئة، وأشهر هذه الاتهامات كانت التي وجهها إيلون ماسك للبيتكوين عبر تغريدة له عبر تويتر، وأعقبها بقرار عدم قبول العملة الرقمية بيتكوين في بيع وتعاملات سيارات شركة تيسلا.

الطاقة النظيفة.. يوجد أعداء أيضًا


مع عمل مناصري العملات الرقمية على ترويج أنفسهم وعملاتهم بوصفها المستقبل، برزت أصوات عديدة أوساط مناصري العملات الرقمية بالاتجاه إلى موارد الطاقة النظيفة (الشمسية- الطاقة المولدة بالرياح- الطاقة المائية)، وبالرغم من الكلفة الأعلى للطاقة النظيفة، إلا أنها أصبحت أكثر الخيارات مع الاتجاه العام السائد لتقليل البصمة الكربونية للتعدين على الكوكب.

لكن، ورغم هذا التوجه، يبدو أن هناك مشكلة أخرى تواجه هذا الاتجاه، وهي الاتهام لعمليات التعدين باستهلاكها كميات هائلة من موارد الدول من الطاقة النظيفة، حيث هناك اتجاه سائد لدى شخصيات نافذة في دول الاتحاد الأوربي تنادي بحظر أنشطة التعدين، ففي السويد التي تعتمد على 50% من إجمالي طاقتها على الطاقة النظيفة كتب مسؤولون منفذون هناك مطالبين الاتحاد الأوروبي بحظر أنشطة تعدين العملات الرقمية، ليس في السويد فحسب بل في كل الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، والسبب بحسب المسؤولين ليس البصمة الكربونية لعملية التعدين وإنما الحاجة لهذه الطاقة النظيفة في أشياء (أهم)، وبالإضافة إلى السويد، فقد ضم مسؤولون من النرويج أصواتهم لهذه الحملة.




كل هذه المؤشرات، توضح بجلاء أن تعدين العملات الرقمية يعاني من مهددات جدية، وبالرغم من الأسباب الكثيرة التي تبرر بها الدول حروبها على العملات الرقمية إلا أنه يبدو أن المخاوف الأساسية تكمن في خوف الحكومات من انتشار ونجاح العملات الرقمية، ما يهدد من سطوة الدول والحكومات والبنوك المركزية على سوق العملات، كالحال في دولة الصين التي كان من الواضح أن قراراتها المناوئة لأنشطة التعدين تتعلق في الأساس بمشروعها الحكومي (اليوان الرقمي)، مما يجعل مستقبل تعدين العملات الرقمية مجابه بالأعداء من كل الجهات، حيث لا يبدو أن هناك حلًا سهلًا في الوقت الحالي، إلا عمل معدني العملات الرقمية ومناصريها لابتداع أساليب جديدة، أو العمل مع حكومات صديقة ومحفزة للتعدين وهو ما يبدو أنه غير متاح حاليًا.
اقرأ ايضاً

تعليقات